Technology
November 6, 2025
التحول الرقمي
السودان يدخل عصر السيادة الرقمية... قراءة علمية وعملية في قرار تأسيس ثلاث هيئات وطنية للتحول الرقمي
بقلم: عبدالرحمن حسن
الأبيض 6 نوفمبر 2025م
في لحظة مفصلية من تاريخ الدولة السودانية، أصدر رئيس الوزراء د. كامل إدريس قرارًا بإنشاء ثلاث هيئات وطنية جديدة تحت إشراف وزارة التحول الرقمي والاتصالات، تشمل هيئة التحول الرقمي، وهيئة البيانات والذكاء الاصطناعي، وهيئة الأمن السيبراني. هذا القرار ليس مجرد خطوة إدارية، بل يمثل تحولًا استراتيجيًا في بنية الدولة الحديثة، ومحاولة لتأسيس دولة المعرفة والسيادة الرقمية في قلب القارة الإفريقية.
أولًا: التحول الرقمي كأداة لإعادة بناء الدولة
من الناحية العلمية، يُعد التحول الرقمي اليوم أحد ركائز الحكم الرشيد في العالم. فالدول التي استطاعت رقمنة خدماتها الإدارية عززت الشفافية، وقللت الفساد، ورفعت كفاءة الأداء الحكومي.
قرار السودان بإنشاء هيئة وطنية للتحول الرقمي يضعه في بداية الطريق نحو بناء منظومة متكاملة لتخطيط وتنفيذ سياسات رقمية موحدة. هذه الهيئة ستكون مسؤولة عن توحيد البنية التقنية لمؤسسات الدولة، وربطها ضمن شبكة رقمية وطنية، على غرار ما فعلته السعودية ورواندا في تجاربها الرقمية الناجحة.
التحول الرقمي لا يعني فقط استخدام التكنولوجيا، بل هو تحول في فلسفة الإدارة ذاتها، من البيروقراطية الورقية إلى إدارة قائمة على البيانات، السرعة، والنتائج. لذلك، فإن الهيئة الجديدة تمثل معملًا لتطبيق مفاهيم الحكومة الذكية ومؤشرات الأداء الوطني، مما سيعيد الثقة في الخدمة العامة ويقرب المواطن من مؤسسات الدولة.
ثانيًا: حوكمة البيانات والذكاء الاصطناعي ... من المعلومات إلى القرار
إن إنشاء هيئة البيانات والذكاء الاصطناعي السودانية خطوة متقدمة علميًا واستراتيجيًا. فالعالم اليوم ينتقل من “اقتصاد النفط” إلى “اقتصاد البيانات”، حيث تمثل البيانات المورد الأكثر قيمة في رسم السياسات واتخاذ القرار.
من خلال هذه الهيئة، يمكن للسودان أن يضع إطارا وطنيا لحوكمة البيانات، يضمن الاستخدام العادل والآمن للمعلومات، ويمنع تسربها أو استغلالها بطرق غير قانونية.
أما إدماج الذكاء الاصطناعي ضمن هذه الهيئة، فيفتح الباب لتطبيقات عملية واسعة مثل:
1- تحليل البيانات الحكومية لدعم القرار في مجالات التعليم، الصحة، والمياه.
2- تحسين الخدمات العامة عبر تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مراكز الخدمة الإلكترونية.
3- بناء منصات تعلم آلي ترفع كفاءة المؤسسات وتختصر الوقت والتكلفة.
وتعتبر هذه نقلة من “إدارة المعلومات” إلى “صناعة القرار بالذكاء”.
ثالثًا: الأمن السيبراني والسيادة الوطنية
لا يمكن الحديث عن التحول الرقمي دون تأمين فضائه.
إن هيئة الأمن السيبراني السودانية تمثل الحارس الوطني لمنظومة الدولة الرقمية، إذ تضمن حماية البنية التحتية الحساسة من الهجمات الإلكترونية، وتحافظ على سرية بيانات المواطنين، وتؤسس لسيادة رقمية كاملة.
من الناحية العلمية، الأمن السيبراني هو أحد أعمدة الدفاع الوطني الحديث، وقد أصبحت له أذرع تشريعية وتقنية في كل دول العالم.
أما من الناحية العملية، فوجود هيئة مستقلة للأمن السيبراني في السودان سيمنح الدولة القدرة على الاستجابة السريعة للتهديدات، ويؤهلها للدخول في شراكات دولية في مجال الأمن المعلوماتي، إضافة إلى تشجيع الاستثمارات في التكنولوجيا الآمنة والخدمات الرقمية الموثوقة.
رابعًا: التحديات والفرص العملية
رغم الأهمية الكبيرة لهذه الخطوة، إلا أن التنفيذ لن يكون سهلاً.
فالتحديات الماثلة أمام السودان تتمثل في:
1- ضعف البنية التحتية للاتصالات والكهرباء.
2- نقص الكوادر المؤهلة في مجالات البيانات والذكاء الاصطناعي خاصة علي مستوى الولايات.
3- الحاجة لتشريعات متطورة تنظم الأمن السيبراني وحماية الخصوصية.
لكن في المقابل، يمكن تحويل هذه التحديات إلى فرص من خلال:
1- بناء القدرات الوطنية عبر التدريب والشراكات مع الجامعات.
2- استخدام حلول إنترنت الأقمار الصناعية (مثل Starlink) لتجاوز مشكلة الاتصال في المناطق البعيدة.
3- تفعيل شراكات مع القطاع الخاص لتسريع رقمنة الخدمات العامة.
بهذه الآليات يمكن للسودان أن ينتقل من مرحلة التحول بالتجريب إلى التحول بالسياسة والتخطيط.
خامسًا: الأثر المتوقع ومستقبل السودان الرقمي
على المدى القصير، ستمكّن هذه الهيئات من توحيد الرؤية الرقمية، وتخفيض كلفة التشغيل في مؤسسات الدولة، وتحسين كفاءة الخدمات.
أما على المدى المتوسط والطويل، فستسهم في خلق بيئة استثمارية رقمية، وبناء اقتصاد معرفي قائم على الابتكار والتكنولوجيا، وتوطين مفهوم السيادة الرقمية الذي يضمن للسودان استقلال قراره التقني وامتلاكه لبياناته الوطنية.
خاتمة: من الورق إلى السحابة... ومن المركزية إلى المعرفة
إن تأسيس هذه الهيئات الثلاث ليس مجرد قرار حكومي جديد، بل هو إعلان لبداية عصر الدولة الرقمية في السودان.
عصر تُدار فيه المؤسسات بالمعرفة لا بالمحاضر، وتُتخذ فيه القرارات بناءً على البيانات لا على المزاج، وتُصان فيه الخصوصية الوطنية بقدرات سودانية خالصة.
قد تكون الطريق طويلة، لكن الخطوة الأولى قد وُضعت بثقة نحو المستقبل.
وإذا ما أحسن السودان إدارة هذا التحول بروح وطنية وتخطيط علمي، فسيصبح خلال سنوات قليلة نموذجًا إفريقيًا في التحول الرقمي المتكامل والسيادة المعلوماتية.
أكيد الجاي أحلى.
منقول
#لولوتك
Key Takeaways
التحول الرقمي في السودان (2)